Excerpt for نبضات فكرية وخواطر تفكرية - رسائل by , available in its entirety at Smashwords









إبراهيم المغربي

978-9954-99-968-4 





أقدم هذا العمل المتواضع لكل إنسان بحق، يعيش بالحب ويحيا بالأخلاق ويسعى لصنع الفارق في هذا الكون الفسيح وتدوين اسمه بحروف الذهب في كتب التاريخ...

إهداء إلى الإنسانية...



بين يدي الكتاب

۞۞۞



الحمد لله ربي الرائع، ذو الجلال والكمال والنوال حمدا يليق بجلاله وروعته عدد ما ذكره الذاكرون وسبحه المسبحون وارتوى بحبه المحبون، فالق النوى والحَب وعارف سر القلب ذو العطايا والنبع العذب.. والصلاة ثم السلام على الحبيب ساكن القلوب بلا مشورة، هو الحِب الغالي ذو المعالي.. وكم يشتاق القلب للقياه...

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. وبعد:

"نبضات فكرية وخواطر تفكرية" (رسائل) ... مضى وقت ليس بالهين على آخر لقاء جمعنا، لكن لا بأس، موعدنا يتجدد اللحظة ونجتمع مرة ثالثة على الفكر والتفكر، ندغدغ عقولنا ونفتح قلوبنا لبعضنا البعض ونروي بعضا من ظمئنا الفكري بما أوتينا من المعرفة والمنطق والعلم البسيط جدا.. الجزء الثالث يرى النور أخيرا بعد أكثر من سنة ونصف على طرح الجزء الثاني من السلسلة الرائعة بمتابعيها وأوفيائها، نمضي في رحلة التفكير والتفكر بعد محطتين سابقتين ركزنا في أولاهما على مبدأ بناء الحضارة فدردشنا بعضا من الجوانب والمواقف والمواضيع والتي يمكن أن تساهم بنسبة معينة في بناء حضارة شعب والتأسيس لمجده، ولا حضارة لمن لا فِكرَ له؛ ثم انتقلنا لثانيهما فتناقشنا سيدة الحضارة ونبضها ونبع حنانها ومصدر الجمال فيها، هي حواء سيدة الوجود وجميلة المخلوقات، فصّلنا في بعض ما يتعلق بها: همومها، معاناتها، تضحياتها، مكانتها وغير ذلك من الأمور التي ارتأيت إلزامية طرحها والتطرق إليها من زاويا معينة، ربما، غفل عنها الكثيرون...

في حقيقة الأمر، لم تكن تيمة هذا الجزء كما تبدو الآن، بل كنت في طور التحضير لموضوع آخر يخضع للتسلسل والتصور الذي وضعته من أجل سلسلة "نبضات فكرية وخواطر تفكرية" لكن حاجة ملحة في نفسي جعلتني أوقف الموضوع السابق وأصوّب تركيزي نحو (رسائل).. رسائل دُونت سطورها في داخلي ووددت أن أحررها وأحررها (تحرير وحرية) حتى تبلغ لأصحابها ويبلغهم بعضا مما يملأ صدري ويسكن عقلي فينظرون ما يروقهم ويختارون من كلامي ما يتماشى مع واقعهم وظروف حياتهم.. رسائلي هاته لا طموح لها سوى التأسيس للإنسانية ونشر كل القيم الجميلة والدعوة لها والإصرار على حضورها بين الناس، وكم أتمنى أن تبلغ كلماتها قلوبكم لأنها سُطّرت بمداد من قلبي...

نسأل الله تعالى التوفيق والتيسير بعيدا عن كل الشبهات والملابسات، وأن تجد صديقي القارئ، صديقتي القارئة، بعض حاجتكما وشيئا مما يتماشى مع خططكما ومشاريعكما فيساعدكما على قدر الإمكان ويفتح سبلا جديدة أمامكما؛ إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.



إبراهيم المغربي

لماذا اخترت كتابة هاته الرسائل؟

۞۞۞



كما قلت سابقا، اختيار كتابة هاته الرسائل جاء في هذه الظرفية بحكم الحاجة الملحة التي رأيتها في محيطي الصغير والمتوسط، والكبير أيضا، إلى بعض التوجيه والتقويم والدعم والتوضيح والتنوير..

13 رسالة و 13 مخاطَب ومراسَل حررت لكل منهم أسطرا وضحت من خلالها مكانتهم ودورهم بالنسبة لي، على الأقل، ولمن هم مثلي وعلى نفس طريقة تفكيري ورؤيتي، ثم تقدمت لهم باقتراحات وتوجيهات، أحسبها كذلك، بناء على تجربتي المتواضعة في هذه الحياة...

كل كلامي في كل الرسائل يؤخذ منه ويرد، هو أفكار ورؤى تقبل النقاش ويمكن الإتفاق معها كما يمكن الإختلاف معها أيضا.. وما أحلى الإختلاف لأنه يفتح لنا أبوابا للبحث وتقوية وتدعيم رؤانا...

إذن، على بركة الله نبدأ...







المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:





أولى رسائلي في كتابي المتواضع هذا هي رسالة للخالق الصانع ذو الجلال، هي رسالة لربي.. هي في الأساس مناجاة أكثر منها رسالة.. مناجاة لمن يطّلع على النفوس ويعرف ما بها وفيما تفكر وما إليه تطمح، وكما قال عن نفسه فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. طبعا ما سأقوله له اللحظة هو أعلى وأعلم به مني وبتدابيره لكن لا بأس أن أتقاسمه معكم وأضعكم في جزء يسير من صورة ما أتقاسمه معه في كل مناجاة تجمعني به سبحانه...

علاقتنا بربنا سبحانه، في رأيي وحسبما ذكرت في كتابي الأول، تتمثل في الغاية من خلقنا، والمتجلية في إعمار الوجود والكون في كل فرصة، والقول الأصح هو صنع هذه الفرصة وخلقها من أجل بلوغ غاية الإعمار.. هذا الإعمار له عدة أوجه وتمظهرات من بينها وعلى رأسها تبني الإنسانية في كل شيء والتعامل بجميل الأخلاق والعيش بمبادئ التسامح والعفو وحسن الظن، كل هذا وذاك يحدث تحت الرعاية والصحبة العليا لربنا ورب كل شيء...

في كل لحظة أختلي فيها بنفسي أغوص في عالم من التساؤل، في حضرة ربي، عما يحدث في هذا الكون الشاسع وخصوصا على سطح هذا الكوكب، واسمحوا لي أن أقول، الحقير.. أجل هذا الكوكب الحقير، ليس حقيرا بشكله ولا بما هو فيه وعليه، بل ما يحدث بسبب من امتلكوا عقولا داخل جماجمهم وادعوا أنهم يحسنون استعمالها واستثمارها...

يا رب.. كيف لبشر منحتهم عقولا هم بها مخيّرون ومختارون، يختارون، يقررون، يخططون.. علهم يبنون ويشيدون ويتعاونون ويتحابّون لكن اختار بعضهم أن يحتكروا الكثير من الحرية على حساب غيرهم ويأخذوا ما ليس من حقهم...

سيقول أحدهم أن الله هو من خلق الإنسان الشرير بل ويدعه في غيه يفعل ما يشاء.. لكن القاعدة الحقيقية التي يجب أن نعيها حقا هي أن الحياة الدنيا مجال فسيح جدا يحتمل كل شيء، وكما يقال فهي دار اختبار، وأثناء الإختبار يبقى الإختيار للطالب في تبني السلوك الذي يروقه لإنهاء امتحانه، هذه القاعدة تحتوي القاعدة الشهيرة التي تقول أن الإنسان مخير فيما يعلم مسير فيما لا يعلم، إذن هاتين القاعدين تضعانا أمام واقع لنا فيه كامل الحرية، والمجال مفتوح فيه أمامنا طالما أن وسيلة التمييز والإدراك –العقل- تشتغل في رؤوس حامليها.. ربنا سبحانه في حالتنا هاته (ولله المثل الأعلى) كالمراقب في قاعة الإختبار يلاحظ ويدون كل شيء، مع تدخلات بسيطة وقليلة لأسباب يعلمها هو سبحانه، وسيحاسب كل فرد على الطريقة التي اختارها لإجتياز الإمتحان فيما بعد، ويتناقش معه على ما حصل وتحصل...

لا يهمني قول القائل أن الله يترك العابثين في عبثهم دون إيقافهم عند حدهم لأنني مقتنع أن الله أعطى لكلٍّ الأدوات التي تؤهله للنجاح في مجال مواهبه واهتماماته، بل حتى من ولدوا بالنواقص الجسدية لا أرى في ذلك عائقا أمامهم كما يتصور البعض، فالله ربي منحهم ما هو أغلى وأعلى من ذلك والدليل أمامنا هو نجاح من هم من ذوي الاحتياجات الخاصة في عديد القطاعات الصعبة كالرياضة والفنون والهندسة والعلوم بجميع تخصصاتها وغيرها من المجالات...

يا رب أعلم أنك عادل فأنت العدل ومنك نستشفه بما فطرتنا عليه ووجهتنا إليه وعدلك صريح في ملكوتك بين مخلوقاتك، بل ومن عدلك أن حملتنا نحن العُقّل (حاملي العقول وليس أصحابها) مسؤوليات في هذا الملكوت وجعلتنا نتخبط فيه وفي يدينا كل ما نحتاجه حتى نكون حقا ناجحين وبالغين أفاق الرقي والعيش الكريم في الشكل والمضمون...

يقول البعض على مسامعي وفي العديد من المنابر: لماذا شاء الله أن يقوم بكل هذا الإختبار وجعل الدارين الأولى للامتحان والأخرى للحساب والميزان؟.. صراحة ليس لدي أي مشكل من هذه الناحية، رغم أنني لا أملك أي معالم للإجابة عن هذا التساؤل، لأنني أثق أن الله له كل المبررات الكافية للإجابة وأحتفظ بهذا السؤال وغيره من الأسئلة والطروحات في انتظار يوم لقاءه بشغف حتى أطرحها عليه وأحصل على ما يكفيني من الإجابات والردود حولها...

يا رب.. هناك من يعبدك عن خوف، وكثير ما هم، لا يجمعهم بك سوى الرهبة التي تلف نفوسهم وتغشى أفئدتهم من هول جحيم هناك في الآخرة، لكني أرى فيك الرحمة وأرى فيك كل شيء جميل وكي أكون صادقا معك أمام من يقرأ هذه الكلمات، أنا لا تهمني لا جنة ولا أهاب نارا، لا غرض لدي في حور عين يشتهيها كل المتزوجين هنا في الدنيا قبل العزاب ولا غاية لي في قصور من ذهب وفضة يسكّن بها الفقير آلام فقره في دنياه ولا أمل لي في أنهار من خمر ينتظرها من يمتنعون عن خمور الدنيا.. ولا خوف لي من عذاب وجحيم ووديان تجري بالحمم الملتهبة، وشجرة الزقوم التي لن يطعم غيرها أهل النار.. أنا طموحي أعلى وأكبر وأسمى، طموحي العظيم هو أنت يا رب، لا شوق لي في شيء سوى الجلوس عندك والحديث معك والأنس بك ومعك.. خلاصة قولي، وأنت العليم، أن غايتي ليست مخلوقا مهما تجمل وتزين ولكن غايتي تبقى هي أنت يا خالق المخلوق...

ملايير البشر الآن تنتشر على الكوكب، وسبقتها ملايير أكثر، كل هذه العقول لها اختياراتها الإيديولوجية وتوجهاتها العقائدية ومبادئها الشخصانية، كل هذا وذاك انبثقت عنه مذاهب ومشارب وعقائد كثيييييرة جدا وما أجمل الإختلاف في الفكر والتفكرات طالما أن هذا التنوع يزيد من إغناء مساحة العقل وقدرته على الإبداع في كل المجالات الممكنة ويزيد من تقليص حجم اللاممكن الضخم فنفهم أسرارا جديدة تلفنا ونسلط الضوء على مجالات الغموض والمجهول الغامضة.. لكن الأسف يطغى عليّ حينما أرى أن هذا التشعب في استقلالية الفكر والمعتقد خلق وأسّس لنوع من الضغينة والتشاحن بين معتنقيهما وصار الإختلاف خلافا والتعصب للرأي يسود ويغطي على مبدأ احترام الآخر رغم الإختلاف معه، بل وتحول الأمر من الخلاف إلى الجدال والنزاع ثم إلى الإعتداءات والضرب فالقتل؛ واليوم نعايش حروبا تسيل بسببها أنهار دماء لا ذنب لأصحابها في كل ذلك ولا تريد وترجى سوى شيء واحد ووحيد هو الأمان والسلام فقط...

يا رب.. قلبي اكتفى وامتلأ من رؤية الدمار والخراب والموت.. الموت أصبح أرخص العملات والقتل صار مجانيا ومباحا.. جثث بالآلاف إن لم نقل الملايين، وغالبيتها نساء لا دخل لهم ولا طاقة، وأطفال تلفهم البراءة ويغشاهم الصدق، والأقسى هم الرضع كالملائكة تُرفع جثثهم من تحت الأنقاض على مرأى من الملايين حول العالم، ما ذنبهم؟؟

يا رب.. ليس لنا من ندعو ومن لنا غيرك كي نشكو آلاما تمزق قلوبنا وتطغى على عقولنا فلا تقوَ على التفكير في غير أناس يعيشون في جحيم حقيقي، جحيم متكامل الأركان ومتنوع المآسي.. هم ضحايا أنانية عظيمة تجثم على قلوب أصحابها وتحجب عن أنظارهم كل منابع الإنسانية والرحمة والتعايش...

يعجز اللسان حقا عن وصف ما تشعر به القلوب وما يملؤها لكن اليقين فيك يا رب وتعلم ما تحويه الأفئدة من حب ورغبة في مد يد العون لكل المتضررين أينما كانوا، والمساهمة في إيقاف كل أوجه الظلم واللاتوازن الحاصل على سطح هذا الكوكب الذي تحول الغيلان من داخله ببراكينه إلى خارجه وسطحه بالحروب الضارية بدون مبرر إنساني ولا أخلاقي...

يا رب.. نرجو عونك حتى نكون سببا وعونا في سبيل إيقاف الجرم الحاصل والفوز بحياة تخلو من كل ما يضنكها ويفسد حلاوتها...

آمين...

والسلام.

التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿





المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:





الحب.. كلنا نحب، نحب من سكنوا قلوبنا ونبضت من أجلهم.. أناس أحاطوا بنا وبقلوبنا فاستوطنوا أجزاء منها وجعلوا لأنفسهم فيها مسكنا لا يبرحونه.. منهم من جمعتنا بهم قرابة الدم وآخرون قرابة الرحم وغيرهم قرابة الصداقة، رأيناهم ورأونا والتقينا وبُنيت علاقاتنا بهم على التفاعل المباشر والتطوير الفعلي لهذه العلاقات.. لكن هو لم يُكتب لنا أن نره، لم نسمعه، لم نتفاعل معه، بل فرقنا عنه الزمان والمكان، ورغم كل ذلك ها نحن ذا نحبه !!

هو الحبيب الذي رزقنا حبه وغرمنا به رغم أنه لم يجمعنا به أي رابط مادي؛ حب عظيم وفريد ومتميز قُدر لنا أن نعيشه ويغشانا.. حب تأسس على روحانية عظيمة ورابط تعدى الأزمنة والأمكنة وحطم عظام قصص الحب المتداولة، الحقيقية وحتى المؤلفة منها...

إذا تحدث عن نفسي فحبي العظيم لهذا الإنسان الأعظم فالأسباب كثيرة، أذكر منها إنسانيته الشاسعة جدا والتي استفزتني بشكل مهول مع توالي أحداث سيرته، مواقف تلو أخرى جعلتني أحترم صاحب هذه الشخصية المتشبعة بالمبادئ العظيمة والأخلاق الرفيعة التي يصعب، لدرجة الإستحالة، أن تجتمع في شخص واحد بكل تلك الحرفنة والإتقان والضبط.. وأجمل في إنسانيته أخص بالذكر جزيل الحب الذي كان ينتشر منه ويتناثر على كل الدنيا من حوله، بل تعدى الأمكنة وصار يحلق بحبه بين الأزمان؛ أحب زيجاته وأبنائه وأصحابه وكل الناس فكان رحيما بالجميع مبدعا في إظهار الحب في كل مناسبة حتى تحول الأمر فيه فطرة فلا يكلف نفسه شيئا وهو يشيع بين الناس ما يملأ صدره.. بما أنه كان قائدا فالقائد يلزمه الذكاء وحسن التصرف والأهم هو رد الفعل السريع تحت الضغط ووقت الضيق، هذا النوع من الذكاء يحلو لي كثيرا لأنه يرتفع من درجة الذكاء للعبقرية خصوصا وأن القيادة التي نتحدث عنها انعدمت في تطبيقها الإمكانيات المادية التي توفرت لدى باقي الدول والحضارات آنذاك لكن تم تعويض النقص المادي برجاحة العقل العظيمة جدا، رجاحة صنعت قادة رافقوه وأكملوا المشوار في حياته وبعد موته...

رسالتي لك أيها الحبيب، الذي ارتوى القلب بحبك وارتبط بك في كل تفصيلة حياتية لأنك حقا جعلت سقف الإنسانية عاليا، ستكون أولا شهادة بحبك أمام كل قارئ لهذه الرسالة، فأجعلك يا قارئ شاهدا على حبي الكبير له.. ثانيا، لا يمكن أن تفوتني الفرصة حتى أعبر لك عن شوقي للقياك ومصارحتك برغبتي الجامحة في مصاحبتك في زمانك البسيط السهل غير المعقد والتمتع بمجالستك ورؤية كل الحب والإنسانية رأي العين لا قراءة ورسوما تتجسد في مخيلتي فقط.. ثالثا، وهي النقطة الأهم التي وددت أن أتحدث فيها معك بشكل مستفيض بعض الشيء لذلك سأضطر لبداية فقرة جديدة أستطرق فيها للفكرة بشكل منفرد وواضح...

رسالتك العظيمة يا حبيبي كانت ولا زالت وستبقى عظيمة ومخلدة في كتب التاريخ والتنمية الذاتية والبشرية وعلوم النفس والاجتماع، هذا شيء جميل حتى تتمكن جميع الأجيال، المسلمة وغير المسلمة، من التعرف على الإنسان الجميل والعظيم الذي أسس لأبعاد إنسانية جديدة وشاسعة، لكن الإشكال يكمن في من ادّعوا المشيخة والعلم والفقه وصاروا يحدثون الناس باسمك وبكلامك فأعطوا تفسيرات تنافي المنطق وأسسوا لأفكار ومذاهب عديدة أحدثت طوائف كلها تتباهى بحبك وبكلامك وتطعن في بعضها البعض وكأنك خُصّصتَ لطائفة ولم ترسل لأخرى أو أنك أعطيتَ الحق والفصل لأناس على حساب آخرين.. بل والأعتى من ذلك أنه قد تبين من خلال بعض البحوث والتدقيقات أن هناك من اختلقوا أحاديث ونسبوها لك ودونوها في كتب السيرة والسنة ولا غاية في أنفسهم سوى إرضاء حكامهم وسلاطينهم، وتقوية أيديولوجيتهم باستمالة أتباعهم باسم الدين واسمك مستغلين بذلك مكانتك الكبيرة في قلوب الناس ضعيفي العلم والفكر...

ترك الناس الدين وانسحب منه الشباب خصوصا تجاه أيديولوجيات أخرى بعدما ملوا من الخطاب الديني التافه الهزيل والدعاة السذج الذين صاروا كالببغاء يرددون بضع كلمات يحفظونها في كل لقاء حتى فقد الناس حاجتهم الذهنية والنفسية والمجتمعية والتوجيهية في هذا الدين.. جعلوا الدين ثابتا في الزمن ولم يطوروه بما يتلاءم مع تطور الحياة على هذا الكوكب، حتى ظن الناس أن الإسلام رجعي وظلالي وظلامي ولا يصلح لا لهذا الزمن ولا لغيره...

تحول المشكل إلى إشكال معضل وكي أكون صريحا فلا أر له حلا في الأفق القريب ولا المتوسط أو حتى البعيد، على الأقل في حياتي إن كان في العمر بقية.. هذا ليس تشاؤما مني طبعا ولكنه ضرب من الواقعية والموضوعية اللتان يجب أن تحضرا في كل دراسة للواقع مهما اختلفت الدراسة وتخصصها، بعيدا عن الذاتية والعاطفة، ويبقى الأمل حاضرا مهما قل وتضاءل، هذا الأمل هو في يد الناس أنفسهم وخصوصا الشباب منهم، لن ننتظر تدخل المؤسسات الحكومية حتى تفكر في حلول تغير بها الواقع البئيس، فقد مرت سنوات وعقود وقرون والواقع لا يزداد سوى سوءا.. الحل بأيدي العقول الكيسة الفطنة كي تنقد ما يمكن إنقاده، كل من منطقته وموقعه وحسب تخصصه يبحث ويجتهد ويطور من نفسه ويجعل نفسه سفيرا مستقلا داخل المنظومة المجتمعية ويحاول تغيير الصورة النمطية عن الدين وتكسير جلاميد تم ربطها به فخبأت كل جميل فيه وجعلته أسودا غامقا خانقا فقط...

سيرتك العطرة مليئة بأشياء رائعة جدا، بل هي الحل الأنسب لعديد المشاكل المجتمعية والنفسية السائدة اليوم، بما أن الخطاب الديني يفتقد لروحه الحية التي ستصلح الضرر فواجبنا نحن أن نكون رسلا لرسالتك الجميلة وأن نحيا بين الناس بما حييت به أنت من منطق إنساني.. طبعا ليس مطلوبا منا أن نقول ما قلت وأن نفعل ما فعلت لأن هذا الزمان ليس هو زمانك لكن الفكرة تحيا وتستمر وليس هناك أمرن من الأفكار التي يمكن أن تتشكل وتتعدل بحسب الظروف والأوضاع، وهذا ما نحتاجه، نحتاج لإعادة بناء المنظومة الدينية بنفس الروح التي جئت بها يا حبيبي وبنفس الحب ونفس الإنسانية ونفس المنطق لكن بمعايير تتماشى مع الوضع الراهن وتداعياته...

كنت أريد أن أخفي عنك شيئا لأنني خجلت من ذكره لكن حبي لك يلزمني بصراحتي معك.. تحدث فوق عمن جعلوا في إتباعك مذاهب وخلقوا بينها صراعا فكريا وتناطحا يملؤه التكفير والإخراج من الملة والدين في كل مناسبة وعند كل اختلاف.. لكن الصادم هو أن هناك من الناس من تقاتلوا وأراقوا الدماء وادعوا الشهادة باسمك وعلى سنتك ونهجك.. أجل يا حبيبي لقد فعلوا ما فعلوا بأبشع الطرق وأعنفها وعلى مرأى من العالم، فانتقل الإختلاف إلى خلاف ومن خلاف تحول إلى جدال ثم إلى ضرب فجرح فقتل فحروب أتت على الناس الأبرياء وما يملكون، دافعهم في ذلك هو الانتصار لك.. أعلم أن الأمر قاس ويصعب استيعابه لكنه ومع كامل أسفي واقع أصبحنا نعيشه كل يوم وتحولنا إلى غابة يأكل فيها بعضنا بعضا ويتعدى فيها القوي على من لا طاقة له على المواجهة...

فقدنا الإحترام، أجل فقدنا هذه الخصلة العظيمة التي تؤسس لنجاح الإنسانية.. ما عاد صاحب الرأي والمعتقد يحترم من يختلف معه، بل صار المختلفون على خلاف، بل الأصح على عداء، دون حتى منح الوقت والفرصة من طرف لطرف حتى يحصل التوافق وتُقوّى أواصر الاحترام.. من اطلع على سيرتك سيرى كيف احترمت كل من اختلفت معهم واختلفوا معك فكريا وعقائديا ودينيا، سواء كانوا من أهل قريش وهم أهلك الذين طردوك وأهانوك وشوهوا صورتك أمام باقي الشعوب، أو من اليهود ممن عاشرت في المدينة وكنت جارا عظيما لهم، أو الأقباط والمسيحيين في الشام وعلاقتك الطيبة معهم.. احترمت الكل واحترمك الكل بل وفرضت عليهم احترامك بحسن خلقك وتبنيك لمبدأ الحق في الاختلاف والحرية في اختيار ما يروق الإنسان من توجهات فكرية...

الاختلاف كان وسيبقى رحمة، بل وسيظل سببا ووسيلة للتنوع الإنساني وفتح آفاق فكرية وعلمية وإنسانية جديدة تسع الجميع بكل أريحية في إطار يُؤسس على الاحترام ويُطور بالتسامح وسعة الصدر...

تحدثت فوق عن الاختلاف الذي يطال الديانات والمعتقدات، والأمر كذلك يطبق على أتباع الدين الواحد.. يكفي ما فات وما ضاع وما فقدنا جراء التعصب للرأي والفكرة والتأويل والتفسير، يكفينا تقسيما وتشتيتا، يكفينا تجريما وتكفيرا، يكفينا سبا وقذفا.. ندعي أننا تحت راية واحدة لكننا أشتات متفرقون تشتعل بيننا الضغائن.. من أجل ماذا؟؟

صراحة، قلبي تملؤه الكثير من الأمور الذي وددت أن أتقاسمها معك وأفشي سرها لك لكن سأدعها حتى ألقاك فأخبرك وأسمع رأيك وأستمتع بالحديث معك.. قبل ختم الرسالة أجدد لك حبي وأنقل لك تحايا الكثير ممن يحبونك وتغشى المحبة قلوبهم ولا يكفّون عن الرجاء في لقائك ومجالستك...

أختمها بكل حب ومودة وأدعو الله أن لا يحرمنا من لقياك في أحسن الأحوال وأفضلها.. لكن قبل هذا الموعد أساله أن نرى في واقعنا خير وحبا ورحمة واحتراما وتسامحا، وأن نراك يا حبيبي حيا بيننا بما تركت خلفك من زادٍ إنساني واجتماعي عظيم...

أحبك...



والسلام

التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿





المرسل: إبراهيم المغربي

المرسّل إليه:





رسالتي الثالثة ستكون خاصة جدا.. هي موجهة لأناس تفرغوا بوقتهم لنشر أفكار ومبادئ وتعاليم الدين، يسمونهم ويلقبونهم بالدعاة والمشايخ، هم دعاة لأنهم يدعون ويشتغلون على الدعوة إلى فكرة معينة، أو لنقل، لفكر معين، وهم شيوخ لَربما بسبب كبرهم، ليس القصد هنا السن وإنما، المعرفي الديني وسط الناس، وهم المرجع بالنسبة لهم لبحث سبيل النجاة والنجاح في الحياتين الدنيا والآخرة...

أجمل الدعوة في الدين وللدين هي الدعوة بالأخلاق قبل كل شيء، ربما موقف مدته دقائق بخلق عظيم يقوم مقام محاضرات طويلات وكتب ومجلدات بصفحات مملة.. لكن لا بأس من التخصص والدراسة حتى يكون الداعية ملما وشاملا لعدة جوانب وأدوات وأبجديات وفرعيات يحتاجها في مسيرته الدعوية الطويلة لتجديد نفس الدين وسحره وعبقه في نفوس الناس.. نجاح هذا الأمر يرتهن بموضوعية الداعية وابتعاده عن التوجهات السياسوية وخدمة أجندات معينة، بل كان أمر الدعاة والعلماء في ما مضى يُعتبر سلطة في حد ذاته ومؤسسة حقيقية في الدولة تُستشار ويُؤخذ برأيها دون تأثر بتوجه الحاكم وباقي المؤسسات ودون الميل ببعض العاطفة وشيء من الذاتية مهما كلف الأمر...

اليوم تحول الدعاة إلى نجوم يعاندون المغنيين والممثلين، صار الشكل والمظهر يأخذ نسبة مهمة من اهتمامهم وطغى الأمر على فحوى الدعوة وجوهرها.. طبعا المظهر مهم ولا يمكن تجاهله، والمظهر الجميل والأنيق هو واجهة لباطن أروع وصافي ونقي ومتناسق الأفكار والعواطف، لكن ما فائدة الجمال الخارجي المصطنع إن كان كلام صاحبه لا يؤخذ منه شيء ولا يضيف لمستمعه شيئا؟ !

غالبية الدعاة يقدمون عروضا يطغى فيها النقل على العقل، بل منهم من يلغي خاصية العقل ويكتفي بالنقل، نقل الأدلة الشرعية وأقوال من فسروها منذ زمن بعيد وهكذا !.. هل هذا يكفي؟ ما فائدة تلك الكتلة التي تعلو العينين والأذنين إن كنا سنسمع كلاما سبق وسمعناه وسنسمعه مستقبلا بنفس الصيغة والكلمات والتفاسير؟.. كل هذا يجر للحديث عن الخطاب الديني الذي أضحى مشلولا غير قادر على الإضافة الفكرية والعقلية، بل انقلبت فائدته إلى دافع وسبب في هجر الناس، وخاصة الشباب منهم، للدين والبحث عن بدائل أخرى لأن الدين صار عاجزا وجامدا وغير قادر على التفاعل والتقدم بنفس سرعة الحياة اليوم !!

مع الأسف، ارتبط الدين بمن يدعون إليه بأقمصة بيضاء وعمم مزركشة ولِحِي طويلة تلمع وهو أبعد عن ذلك بكثير، إن كان في الشكل أو حتى المضمون.. الدين أفسح وأشمل وأكبر من أي حدود، لكن شكل الدعوة جعل بعض عقول متتبعيها تعتقد أن الدين هو قنوات تلفزية معينة وأشخاص معينون معنيون لا يُسمع من غيرهم، وما هؤلاء في حقيقة الأمر سوى عبء وعائق أمام سلاسة الدين وبساطته وعمقه وجوهره الرائع...

لماذا يا أيها الدعاة ويا شيوخ لا نرى منكم اجتهادا؟ ألا ترون أنكم تكررون أنفسكم في كل المناسبات؟ أ لا يبدو لكم أن عروضكم تحمل نفس الفكرة الصغيرة الضيقة لكن بتسميات مغايرة؟ ألا تجدون أن خطابكم الديني تقادم وصار متجاوزا وتحتاجون لإعادة بناء أفكاركم استنادا على العقل وتوقفا عن النقل والنقل ثم النقل فقط؟ !

حتى أكون صريحا معكم، ولا تحسبوا الأمر مهاجمة مني لكن هدفي أسمى وأكبر، إنكم بضيق نظرتكم للدين وتفاصيل الحياة جعلتم الناس التي تتبعكم تنزوي في ركن بعيد عما وصلت إليه بقية الشعوب، قزّمتم الدين وحَجّمتموه حتى اعتقد الناس أن ما تقدمونه فقط هو الأساس وما دونه لا يصلح لنا سواء كنا أفرادا أو جماعات أو حتى دولا، وأن الشعوب الأخرى التي تفعل ما نعتبره حراما وبدعا وفسقا (حسب أقوال وفتاوى بعضكم) يجعل منهم كفارا وفجارا وفُسّاقا، ونزيد من حقدنا عليهم ودعائنا عليهم في كل المناسبات، هل ديننا يدعو إلى الحقد على الآخر لأنه يختلف عما نحن عليه؟ !...

في اعتقادي، أرى أننا اليوم بلغنا ما بلغته أوروبا في القرون الوسطى، آنذاك حين سيطرت الكنسية على حياة الناس وسياسة قيادتهم، فكانت تغتني من غبائهم وتجعلهم ركعا سجدا لسياستها المبنية على العاطفة والترهيب.. طبعا المشكل لم يكن في الكنسية ذاتها وإنما في عقول وخطط من سيروها وأداروها، وعندما أدرك الناس ذلك مزقوا القيود وكسروا الأغلال وحطموا أفكار الكنسية التافهة السفيهة وبنوا على أنقاضها أفكار صلبة متماسكة، وصارت الغاية هي خدمة الإنسان والإنسانية دون تمييز ولا تقسيم طبقي (طبعا الأمر يبقى نسبيا ولا يصل لدرجة الكمال والمطلق).. اليوم نحن أيضا وصلنا إلى نفس النقطة، وتحول الدين إلى وسيلة لكسب العقول الضعيفة والقلوب الحائرة لخدمة أهداف معينة، وطبعا يبقى المشكل فيمن يتبنون الدعوة للدين والدفاع عنه (وهو لا يحتاج لذلك)...

لن نقول أننا يجب أن نقوم بثورة فكرية بنفس الطريقة الأوربية، لكن نحتاج لثورة تتماشى مع وضعنا نحن وزماننا الذي نعيشه، ثورة نزيل بها ضباب الفساد الفكري والدناءة الذاتية التي طغت، ونحيي بها أصول الدين الحقيقية والفكر الصلب الذي أسس له منذ زمن بعيد، ثم نزيد نحن من تطويره وتحسينه والإجتهاد فيه، كل من موقعه حتى يصير متماشيا مع ما نحن عليه اليوم.. يكفينا ما عايناه من التلاعب الذي حرّف مسارات عظيمة في هذا الدين ويكفي ما تم، وما سيتم، اكتشافه لاحقا من تحريفات في تفاصيل هذا التراث الفكري والديني الضخم، نريد حقا تجاوز هذه الكبوة العظيمة والعودة إلى جادة الطريق...

شباب اليوم يتجه نحو اللادينية والإلحاد لأنهم فقدوا طعم الدين واتضح لهم أن من يدعون إليه يريدون البقاء فيما هم فيه دون تزحزح، في المقابل، الحياة تجري بسرعة تتزايد شدها مع كل يوم يمر، والأفكار تتطور وتتشعب وتتفرع بشكل رهيب، هذا الفرق في السرعات يخلق ثلاثة أنماط من التوجهات الفكرية (على العموم):

  • هناك من اكتفى بالتوجه الديني حسب ما هو مطروح ويعيش حياة بسيطة جدا لا يطغى فيها الفكر بل يسعى أصحابها إلى قضاء أيامهم في هدوء، على الهامش، وانتظار لحظة النهاية؛

  • هناك من اختار إتباع التوجه الفكري العالمي والإنصياع لتيار الحياة الجارف ومجاراة الواقع المتطور مع الإستغناء على الدين وتوجهاته، على الأقل بنسب متفاوتة تبلغ حد المطلق عند الكثير من الشباب؛

  • وهناك النوع الثالث الذي يعلق بين التيارين ويحاول إيجاد حالة من التوازن بينهما حتى لا يفقد جمالية العمق الروحي المتوفر في الدين، وعظمة التطور المادي والفكري الحاصل عالميا؛

النوع الثالث ربما هو الأقل بين الأصناف الثلاثة لكن، في الحقيقة وفي نظري، يبقى هو النوع الأهم بينهم لأنه إن استطاع تحقيق المعادلة الصعبة وقدر على خلق التوازن بين الجانبين الفكريين الروحي والمادي التطويري سيعود بنا إلى فترات سجلت نجاح بعض الأسماء في ذلك كابن رشد والخوارزمي وابن خلدون وغيرهم.. إن استطاع هذا التيار النجاح اليوم فالنتيجة يجب أن تعمم وتدرَس وتدرّس حتى نخرج جميعا من دوامة الفُصام التي دخلنا فيها منذ عقود، بل منذ قرون إن صح التعبير...

يا أيها الدعاة أناشدكم، أناشدكم بكل الحب وكل الغيرة على الإنسانية والدين، أناشدكم مهما اختلفت دائرة تأثيركم ومنابر ظهوركم، ابحثوا أكثر واقرؤوا أكثر وانفتحوا على كل الثقافات والتيارات الفكرية والتوجهات الأيديولوجية.. لا تحبسوا أنفسكم في فكرة واحدة وتجتروها سنوات وسنوات وتنقلوها لغيركم وتقيدوه بها.. كل العالم قبِل الإنفتاح على بعضه، ونحن أيضا بإمكاننا ذلك، والحبيب صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الدين والفكر الذي تدعون إليه استطاع أن يوازن بين فكره وحياته المادية واحتك بالكثير من أصحاب الأفكار الأخرى واحتواها ووصل إلى قلوب غير متبعيه وأثر فيهم بصدقه وسعة صدره وتقبله لمبدأ الإختلاف...

لماذا أسب غيري؟ لماذا أدعو عليه؟ لماذا أجل من لساني مدفعا للسباب واللعان والقذف والتهكم والتقزيم من الآخر؟.. أنا وهذا الآخر يجمعنا نفس الكوكب ونفس الهواء ونفس الماء ونفس المصير، فلماذا أحاول أن أتحدى كل هذه الأمور فأبني حدودا تفصلني عنه وفي النهاية لن أنجح في عزلي عنه لأنني أمام خيارين فقط، إما تكامل وحب وتعايش، وإما تنافر وخلاف ثم حرب...

أيها الدعاة والشيوخ، املؤوا خطاباتكم بالحب واشحنوها بالفكر وتجنبوا كثرة النقل حتى لا تسقطوا في فخاخ التكرار والنمطية ثم الركود العقلي وتسجنوا في دوامة الغباء.. اجعلوا من هذا الدين وسيلة لتحقيق الرغبة الربانية في الإتحاد مع كل الخلق من أجل حياة كريمة للجميع مهما كان الإختلاف حاضرا، وأكرر القول أن اختلافنا مع غيرنا هو ما يفسح لنا مجالات التعدد والإبداع وكسر حدود اللامنطق واللاممكن نحو معالم جديدة تخلق لكل منا مساحات راحة كبيرة وتشمل الجميع...

أيها الدعاة والشيوخ، جمال حياتنا على هذا الكوكب هي في اختلافنا، لا في نمطيتنا وتشابهنا وإتباعنا لنفس الطريقة.. كلنا نحب الصدق مثلا لكن الصدق له أوجه ومشارب ويمكن أن يُصوّر في آلاف المواقف والمشاهد.. لا تملوا علينا الطُّرق بل انشروا الفكر ودعوا الخلق يبدعون كلّ حسب ما يشاء...

انشروا الفكر بين الخلق، ودعوا الخلق للخالق...



والسلام.



التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿





المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:





جاء في رسالتي السابقة أن الخطاب الديني صار هزيلا ومحتواه لا يروي الظمأ الروحي والفكري لكثير من المسلمين، بل وحتى باقي الخطابات الدينية لباقي الديانات الأخرى أصبحت قليلة المفعول، إن لم أقل عديمته.. هذا الضعف في الخطاب والشح في الإقناع بالحمولة الدينية جعل الشباب ينفر ويتجه نحو بوابات جديدة تشفي غليلهم وتغنيهم بما هم في حاجة إليه من الناحية الفكرية والفلسفية وحتى العقائدية والأيديولوجية...

رسالتي الرابعة سأخصصها لهؤلاء الذين اختاروا الإنشقاق والتوجه نحو تيارات حديثة تفتح أبوابا من الحرية للإبداع في إطار التحرر من كل القيود، رسالتي هاته ستكون بالأساس للملاحدة واللادينين...

كل ذي عقل كيس فطن يوقن تمام اليقين أن عروض الدين أصبحت ضعيفة جدا ولا ترقى لطموحات الشباب خصوصا.. نعيش اليوم في زمن سريع ومتطور يخضع لمعادلات معينة، هذا الوضع يحتاج لفكر روحي حديث ومقاربة فكرية معاصرة تسايِر العالم الرقمي المعقد...

كمسلم أرى أن اللادينية توجه جميل جدا (على عكس الإلحاد رغم احترامي لأهله وسأفصل في قادم السطور رأيي هذا).. وسبب رؤيتي هاته يبني على قوة هذا التوجه الذي يجعل من صاحبه باحثا أكثر من غيره وشغوفا بالقراءة والتعمق في كل التوجهات والمذاهب والثقافات بكل موضوعية وواقعية.. هذا البحث الكبير والعميق يجر صاحبه لعوالم تخلق فيه اختلالا كبيرا ولا توازنا مروعا يحدث في عقله تضاربات وتناطحات قاسية تكاد تسبب له الإنفجار، وطبعا لابد أن يجعل كل هذا من الباحث اللاديني إنسانا أكثر عقلانية ومنطقا مع رؤية استدلالية قوية جدا تصحبه في رحلته الشاقة والطويلة نحو التوازن والثبات المنشود...

قلت أنني أحترم اللادينية أكثر من الإلحاد، لأنني أرى في الأولى منطقا ورشدا وأرى في الثاني شيئا من النقص العقلي والإستدلالي، والكثير من العلماء والفلاسفة الذي اختاروا مراجعة توجهاتهم، على رأسهم ديكارت، بدؤوا بالإلحاد أولا، بعدما رأوا في أديانهم التي سبق لهم اعتناقها أنها لا تستجيب لمنطق هم أسسوه ومبادئ تبنوها عن اقتناع، وبعد رحلة طويلة وشاقة من البحث العلمي المادي والحاجة الروحية الملحة تأكدوا أن هذا الكون الفسيح جدا والمنظم بشكل مثالي جدا وفق معادلات محسوبة بطريقة خرافية لا يمكن أن يأتي من عبث ولا يمكن أن لا يستمر لملايير السنين دون اختلالات تعجل بنهايته، بل على العكس، كلما طال الزمن زاد تعقيد هذا الكون أكثر وصار أكثر انتظاما وترتيبا عما كان من قبل.. كل هذا جعلهم يتنازلون عن فكرة الإلحاد وأن هذا الكون جاء بالصدفة ونشأ بشكل عبثي، تأكدوا أنه جاء بفعل طاقة ضخمة وقوية هي من تحكمت وتتحكم في كل تفاصيله وتحولوا لمناقشة الأديان، ونعود لهزالة الخطابات الدينية والأجندات التي أصبحت تخدمها بعيدا عن أهدافها الرئيسية، هنا نعود لعصر الأنوار حين كانت الكنيسة تستغل الدين لأهداف أخرى الشيء الذي جعل غالبية المفكرين والعلماء والفلاسفة آنذاك ينحون منحى اللادينية ويحاربونها بالفكر والعلم...



هذا ما أقتنع به شخصيا من خلال تحليلي المتواضع للإنتقالات التاريخية المتعلقة بالفكر والعقيدة والفلسفة ودراسة العديد من مواقف الملاحدة واللادينيين.. طبعا أحترم الجميع بجميع توجهاتهم وأقبل أي اختيار عقائدي طالما يقدم صاحبه أدلته المقنعة بالنسبة له التي تجعله راضيا، على الأقل بشكل نسبي، على اختياره هذا...

خلال مسيرتي الدراسية والعملية والبحثية التقيت الكثير ممن اختاروا الإلحاد واللادينية بعدما ارتأوا أن الدين، أو بتعبير أصح الوضع الديني والخطابات الدينية، لا ترتقي لما يحتاجونه سواء فكريا أو حتى روحيا، بل منهم من كان السبب في تركهم للدين هو تصرفات المسلمين التي لا تعبر عن إسلامهم الذين يدّعون.. طبعا واقعنا ومجتمعنا، المتناقض مع الأسف، جعل هؤلاء الملاحدة واللادينيين يحتفظون بهذه التوجهات في دواخلهم ولا يستطيعون الإفصاح عنها بكل أريحية وإلا تعرضوا للنفي والعزل والطرد مجتمعيا.. وأصْدِقكم القول أن أجمل جلساتي ونقاشاتي وحواراتي العميقة والمؤثرة كانت مع هؤلاء الأصدقاء لأنني كما قلت في البداية هذا الخيار يجر صاحبه للبحث والقراءة أكثر من غيره، ولو أخذنا التدين بمعيار البحث في تفاسير القرآن والسيرة النبوية وكُتب السلف ومجلدات التاريخ الإسلامي لكان هؤلاء أكثر تدينا بكثير ممن لا زالوا يعتنقون الدين بالفطرة والإمعية والتبعية والنقل...

رسالتي إليكم يا أصدقائي (جميع الملاحدة واللادينيين) أن تستمروا في قراءتكم وقراءاتكم وتحليلكم وموضوعيتكم علّ كل ذلك يأخذكم لبلوغ حقائق وتفسيرات ونتائج تغير الوضع الحالي نحو الأحسن وتبلغ بكم إلى آفاق بعيدة مليئة بالحق والمنطق والصدق والإنسانية والروحانية السليمة.. بحثكم وتعمقكم لا يمكن أن تكون له نتيجة إلا تلك، كل من موقعه وكل حسب إمكانياته ومؤهلاته، والهدف طبعا واحد وهو كسر الجمود الفكري والروحي الحاصل نحو حياة روحية وفكرية كريمة مطمئنة، طبعا بالنسبة لكم ولنا أيضا بحكم أن الأمر يهمنا جميعا ويهم الإنسانية بشكل أعم وأكبر...

طبعا لا تفوتني الفرصة كي أتحدث مع من اختاروا الإلحاد كموضة حتى يقال عنهم أن عقولهم نيرة وذكية وأنهم استطاعوا كسر أغلال الرجعية والتخلف نحو التحرر والتقدم.. يا أصدقائي، المسألة مسألة فكر واعتقاد ومبدأ لا مسألة لبسة سألبسها حتى يقال عني أنني إنسان عصري، المسألة مسألة راحة فكرية وروحانية تخالج الصدر وتريح القلب وتسعده.. هناك صنف آخر اختار الإلحاد حتى يمارس رغباته المادية (التي تخالف الدين ويحرّمها) دون تأنيب للضمير ومحاسبة من النفس والمجتمع، وأعرف أنواعا من هؤلاء أتأسف على حالهم لأن غايتهم بسيطة جدا وليس لكل غاية بسيطة مدى بعيد، بل ليس لها حياة أساسا، وعلى الأغلب مثل هؤلاء يصل بهم الحال إلى الإصابة بالاكتئاب وربما بلوغ حد الإنتحار...

أريد أن أُحدث أيضا بعض الملحدين الذين اختاروا الإلحاد عن اقتناع لكن لم يتوجهوا للبحث والدراسة والتنقيب عن منافذ الحق (ولابد هنا أن أشير أن الحق مصطلح فلسفي يختلف تعريفه من فرد لآخر حسب الموقع والثقافة والخلفية الفكرية والدينية) بل اختاروا أن يركزوا على بعض النقاط المعينة التي تعبر، في نظرهم، عن ضعف الدين كمنظومة وفشله وعدم قدسيته وقداسته، وتحولوا إلى دعاة ومشايخ للإلحاد، يتوجهون لضعاف الفكر من المسلمين ويتحدونهم في مناظرات يعون جيدا أنها تصب لصالحهم ويجعلونهم يقتنعون بجمالية الإلحاد وعمقه وأن الدين (وأشير أيضا هنا إلى أنني لا أتحدث عن الإسلام فقط، بل حتى باقي الديانات) منظومة فاشلة تنبني على حبس الإنسان وقمعه فكريا وحرمانه من الإبداع والحرية التي يحتاجها لممارسة ما يحلو له دون قيد أو شرط.. من هذا الباب نعود للصنف الذي تحدثت عنه في الفقرة أعلاه ونحصل على ملحدين بالإسم والصفة فقط بعيدا عن الهدف الذي يسمو إليه الإلحاد كتوجه فكري.. أقول لكم يا أصدقائي أن الفكر الحقيقي لا يحارب فكرا آخر بل يواجهه مواجهة شريفة بالذكاء والأدلة والبرهان والإستدلال، والذكي العاقل هو الذي يحترم التنوع والتعدد ولا يبحث عن جعل الناس يتبنون فكره وحمولته الفكرية، ولا يجعل من ذاته محور العالم وأن الناس يجب أن يخضعوا له ويتبعوا ما هو عليه.. ربما نختلف لكن نختلف بكل الإحترام والحب ونتناقش في كل هدوء بعيدا عن التشاحن والصراعات المجانية ذات العواقب الكارثية، والتاريخ خير شاهد على هذا...

ربما أشهر الملحدين الذين أسلموا فيما بعد واشتهرت قصته بين الناس هو الدكتور مصطفى محمود الذي قضى 30 سنة تقريبا وهو يعتنق الإلحاد (إن صح التعبير) قضى فيها ليالي طويلات وأيام من البحث والقراءة والمقارنة والتحليل والتفسير حتى بلغ الحق، على الأقل بالنسبة له، وصار مثالا وحالة تُدرس، وقدم بعد عودته للإسلام عدة روائع أدبية وفكرية للعامة علها تجيب عن بعض التساؤلات وتقدم منافذ وأبوابا جديدة للشباب التائه والملحدين وحتى المسلمين وغير المسلمين.. ويبقى هذا المثال من أفضل الأمثلة التي نريد أن يصل إليها الكثير من الملاحدة (لا أقصد نفس مسار الدكتور مصطفى)، نريد أن نستفيد من بحوثاتكم وأعمالكم في إطار من الإحترام المتبادل والحب السائد والإنسانية المنشودة...



أن تكون ملحدا أو لادينيا فذاك اختيارك وأنا أحترمه وأحترم كل تفاصيله وأطلب منك أن تحترم اختياري أيضا طالما أن كلينا يبنيان توجههما على قناعات ومبادئ، وأتمنى أن تجمعنا الفرص حتى نتناقش ونتجاذب أطراف الحديث ونستمتع بذلك لما في ذلك من متعة حقا...



والسلام

التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿✿





المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:





حياتنا تنبني على مفارقات ومقارنات، نقارن الشيء بالشيء حتى نستطيع تحديد قيمة الأول وأفضليته على الثاني أو العكس.. نحن كشعب عربي يتألف من أكثر من 20 دولة دائما ما نقارن أنفسنا بدول الغرب (أوربا وأمريكا) في كل الأمور الحياتية ونعتمد على هذه المقارنة لتصنيف أنفسنا وتحجيم ذواتنا...

رسالتي الآنية ستكون للعرب، رسالة خاصة لعالم أعيش في كنفه وأعلم عنه الكثير لأني أحتك بتفاصيله منذ أول صرخة لي في الوجود...

كثير منا يعلمون تاريخ العرب الذي بدأ بشكل يستحق الدراسة مع مجيء الإسلام، أما قبل ذلك فقد كانت حياتهم ملأى بالعبث واللانظام، حياة محورها الذكر الذي يعيش لأجل هدفين فقط، الأول هو التجارة، ويا لتعاسة من لا تجارة له إذ سيكون خادما وعبدا عند السادة، والهدف الثاني هو المتعة البهرجة من خلال الليالي الحمراء بلون الخمور والجنس وما إلى ذلك.. حياة جد عادية ولا نظام فيها، حياة تطغى فيها القبلية والأهلية، كل قبيلة تعيش من أجل نفسها فقط وتقطع الصلة مع غيرها، سوى من أجل الربح والتجارة فآنذاك يمكن التنازل، وكم من تجارة غير رابحة تحولت لحروب طاحنة بين القبائل، الشيء الذي زاد من ضعف شوكة العرب وسهولة التحكم فيهم من طرف باقي الحضارات التي سيطرت وهيمنت في فترة ما قبل مجيء الإسلام...

بعد مجيء الإسلام وبداية نزول الوحي صار للعرب هيبة وقيمة بين حضارات العالم، حيث جعل الإسلام يوحد كلمات القبائل ورصّ الصفوف وصحح التمثلات والأفكار المجتمعية السائدة حول طرق العيش وأهداف العيش ووسائل العيش، وجعل للعرب دولة ذات نظام ومؤسسات تحفظ الحقوق وتحل الخلافات وتؤطر الناس وترعى مصالحهم.. استمر هذا النظام وهذا البينان لسنوات وعقود ثم قرون صامدا أمام المغريات والمصالح الذاتية وأنجب أفكارا وعلماء استطاعوا البصم على قوة هذه الدولة وهذه الحضارة كل حسب تخصصه وحسب مجال إبداعه وعمله...

ربما حنّ العرب لأيامهم الخوالي، ربما رقت قلوبهم لزمن طغت فيه نزواتهم وأهواؤهم على طموحات عقولهم وغايات أرواحهم.. انحرفوا عن طريق المجد والحياة الكريمة العامرة بالحب والإنسانية ونمت فيما بينهم بذور الأنانية والذاتية والغايات النزواتية القديمة، وهي ما أسمها القرآن بالجاهلية الأولى...

طبعا هذه العودة لم تكن لحظية بل كانت عبارة عن انتقال بطيئة لكنها عميقة وراسخة، وبلغت ذروتها في أواخر حكم العثمانيين الذي حطمه الإستعمار الغربي وعجّل بنهاية حقبته.. ضعفٌ وهزالةٌ داخلية عند العرب زادها المستعمر شدة بدسه لأفكار جاء بها على ظهر الدبابة وكانت هي استعماره الحقيقي لأنه ولمكره أيقن وخطط أيضا لموعد خروجه وعودته لبلاده.. واليوم ها نحن نجني نتائج ما وصلنا إليه بأيدينا ثم بأيدي من احتلونا...

في صلب هذه الرسالة أريد التنبيه إلى شيء مهم جدا.. أنا أنتمي إلى المغرب وهو بلدي، سكانه الأصليون هم الأمازيغ، وهو من سكنوا أيضا الجزائر وتونس وبلغوا حتى ليبيا وأجزاء موريتانيا وبلدانا أخرى، هذا يبقى الأصل القديم لساكنة المغرب الكبير، لكن اليوم وبعد البحوث والتحاليل الجينية التي تُجرى في بعض بلدان العالم وسيتم تعميمها لاحقا تم إثبات أن الأصول قد اختلطت بشكل رهيب وعجيب، وانتمائي للعرب أو الأمازيغ أو أي أصل أو حضارة أخرى لا يهم بقدر ما يهم وضعي الحالي، اليوم المغرب وباقي بلدان المغرب الكبير تتبنى العربية كلغة أولى أو ثانية ونتكلم بلهجات انبثقت عن العربية بالأساس وبعض اللغات الدخيلة (لغات المستعمرين).. نحن اليوم نعتبر عربا رغم أن التاريخ المغربي مر بمنعطفات غير ما مرت به شبه جزيرة العرب، ونخضع لشبه ما تخضع له تلك المنطقة من مآسي وتوجهات واختيارات وأسس سياسية واقتصادية...

أعود لموضوع الرسالة.. طبعا نحن كعرب أدرى بحالنا من غيرنا، وواقعنا مع الأسف لا يمكن وصفه سوى بالبؤس.. نحن من صارت أحلامنا هي الزواج والعمل والسكن مع العلم أنها حقوق في الأصل، نحن من يحارب الناجح حتى يُحبط ويفشل ولا تقوم له قائمة، نحن من نعيش الفصام بين أفعالنا وأقوالنا، نقول ما لا نفعل ونفعل ما لا نقول، نحن من نرتدي بِذلة القاضي ونجلس في المقاهي على الرصيف وأركان الشوارع (أو على النوافذ بالنسبة للنساء) ونوزع أحكامنا على الناس مجانا وبدون حق أو حتى علم وبحث وتحقق، نحن من صدّقنا أن بيننا حدودا وأن من على الجهة الأخرى من الحدود هم لنا أعداء رغم أننا على نفس الدين ولنا نفس اللغة ونعيش تقريبا نفس الحياة والمعاناة، نحن من نتقاتل إذا اختلفنا في المذهب والمعتقد والطائفة، نحن من جعلنا من التربية عقابا وعنفا بدل أن تكون فنا وأداة لبناء الحضارة والمجد.. نحن من يراودنا الفشل في كل شيء تقريبا، ومن نجح بيننا فهو طفرة نادرة الحصول ويستحق كل التبجيل لأنه نجح في جو يتنفس الفشل مع كل شهيق...

رسالتي لنا، نحن العرب، لن تكون صعبة التشفير ولا غريبة ولا صعبة التحليل والفهم، رسالتي بسيطة جدا وتحتاج منا لبعض الجهد علّ نتائجها حقا تعود علينا ببعض النفع والخير.. رسالتي لنا هي القراءة، أجل القراءة يا أمة اقرأ.. وأتحدث مع العرب ليس المسلمين فقط، أتحدث مع كل العرب باختلاف دياناتهم وانتماءاتهم وعقائدهم، اقرؤوا أرجوكم، اقرؤوا في مجالات تخصصكم وحتى في غير ذلك، فالمثقف إذا انفتح على غير مجاله صار أكثر إبداعا في مجاله، اقرؤوا حتى تمتلئ عقولنا وتصير أثقل وزنا وتثقل ألسنتنا عن الكلام بما لا ينفع ولا يردّ نفعا، اقرؤوا علّ حالنا يصير أحسن ويومنا يصبح أجمل وواقعنا يزهر.. أتدرون ما هي نقطة تحول الغرب في عصر الأنوار؟...

نقطة التحول هي تبنّي آلة الطباعة (التي اخترعها يوهان غوتنبرغ) وتسهيل عملية نشر الكتب والتشجيع على القراءة، الشيء الذي فتح بابا عظيما أمام نور العلم وانقشاع سحاب الجهل والأمية وظهور العلماء من كل الأقطاب ومن مختلف الطبقات المجتمعية.. العرب مع الأسف رفضوا استيراد آله الطباعة الشيء الذي صعب عملية انتشار العلم والمعلومة وبقي الأمر محصورا عند فئة قليلة من الناس، أما السواد العظيم فعاش في سواد أميته وجهله...

دعونا نقرأ ونقرأ ونقرأ عله يخرج من بيننا من يكتب ويطور ويبدع فيما يحب، هيا نزر المكتبات حتى نزيل الغبار المتراكم على الكتب ونجعل حمولتها تستقر في عقولنا وتنجب أبناء جددا يحسنون الأوضاع ويرحمونا مما نحن فيه...

ودائما في إطار القراءة أرى أنه من الواجب تغيير نظرتنا إلى التعليم سواء كنا حكومات أو شعوبا.. التعليم غاية في ذاته وليس وسيلة لبلوغ الوظيفة والعمل.. ندرس كي يرتقي الذوق العام ويتحسن الوضع المجتمعي لا كي نحصل على عمل راق، نسبيا، في نهاية الأمر.. العمل سيأتي بشكل غير مباشر بالموازاة مع القراءة والتعلم، وطالما أنا أنفتح على التلقي والتعلم سأطور عملي وأبدع فيما أعمل وأتحول إلى منتج أفكار وصانع فكر أكثر من مجرد منتج مادة وأدوات.. وأشير هنا إلى أن الكثير من الناجحين في الفن والرياضة في دول غريبة عديدة يعيشون في رفاهية مادية كبيرة ورغم ذلك اختاروا استكمال دراستهم حتى بلغوا شهادات عليا كالدكتوراه والماجستير والهندسة.. هم في غنى عن تلك الشهادة من الناحية المادية، لكن يبقى شغف العلم وازعا يجر صاحبه نحو التشبث بالتعلم مهما كانت الظروف لأن التعلم كما قلت يبقى غاية في ذاته وليس وسيلة...

ما ينطبق على عضلات الجسم ينطبق على العقل، إذا تركتُ الرياضة لمدة طويلة جدا سيفقد جسمي الرغبة في ممارستها وسيجد صعوبة كبيرة في العودة إليها، كذلك الأمر بالنسبة للعقل الذي سيستصعب القراءة في بداية الأمر وستراوده فكرة تركها مرة أخرى ثم العودة إلى الحياة الروتينية العادية السهلة غير المتعبة، هنا يحتاج المرء لبعض التحدي والصبر والعزيمة والإرادة من أجل الثبات والإستمرار...

كل منا لديه بعض المعارف الذين يواضبون على القراءة بشكل مستمر، وهناك منكم من لاحظ الفرق عند من التحقوا بركب القراء بعد طول هجران وتبين لهم أن الشخصية والتركيبة النفسية والإجتماعية خاصتهم تغيرت كثيرا وتحسنت مع كل كتاب وكل مؤلف وكل مجلد وكل رواية...

يا عرب.. أ لا يكفينا أمر الإستهلاك؟ متى سننتج؟ متى سنغير واقعنا وواقع العالم ونبصم التاريخ ببعض لمساتنا؟ متى سنصوب نظرنا تجاه ما يستحق وما سيعود علينا وعلى غيرنا بالنفع والخير؟ متى سنتحول من مجرد مقلدين وتابعين إلى رائدين وقائدين وملهمين؟

ما أجمل مداعبة أوراق الكتب، وكأنك تلامس يد من تحب وتغازله بنظراتك المحبة الولعة.. طوبى لمن ذاق هذه الحلاوة وانغمس فيها وخصص لها زمنا من يومه يمارسها...

ربما الكتب الورقية غالية الثمن وليس في استطاعة الجميع، خصوصا التلاميذ والطلاب، اقتناءها بشكل دوري ومستمر، ولكل هذا بدائل:

  • إذا أردت قراءة كتاب يمكن أن أكسب ثواب بعض أصدقائي وأشجعهم على القراءة أيضا فأتبادل معهم ما معي من كتب وأستفيد مما معهم وهكذا سأقرأ كـمّا أكبر منها بثمن أقل؛

  • هناك أيضا جمعيات تتبنى الفكرة أعلاه يمكن البحث عنها والمساهمة فيها بكتاب مقابل الإستفادة من قراءة العشرات وربما المئات من الكتب التي تبرع بها غيري؛

  • وربما سأتبع موجة التكنولوجيا الحديثة وسأحمّل الكتب على لوحتي الإلكترونية أو هاتفي المحمول وأقرؤها في حلي وترحالي طالما أن هاتفي لا يفارقني أينما كنت؛

القراءة متعة، والله شاهد على قولي، وكم الناس محرومون من هذه المتعة ويظنون أنها نقمة وعذاب وكآبة.. لطالما نتغنى بالغرب ونجاح ناسه وتقدمهم وجمال حياتهم ونتمنى أن نكون بينهم وفي بلادهم؛ لا أفهم كيف لنا أن نتمنى حياتهم ونقلدهم في لبسهم وأشكالهم وحفلاتهم ولا نقلدهم في بعض أجمل الأمور كالقراءة مثلا !؟ غريب أمرنا والله.. لا يمكنني أن أنسى مشهدا في بلاد الغرب لرجل طاعن في السن يجلس في ركن للتسول ويمسك في يده اليمنى كتابا يغرق بين سطوره.. أغبطته كثيرا حينما رأيته.

هيا يا عرب، هيا يا من وحدتنا اللغة والأرض والوطن، هيا نكسر حواجز الكسل والجمود العقلي، هيا نعمل ونجتهد ونقرأ ونطور ذواتنا، كفانا عجزا وتواكلا وتسويفا، والله إن الأمر لتعدى كل الخطوط الحمراء ويجب أن ننقذ ما يمكن إنقاذه وإلا فالنتائج لا يمكن إلا أن تكون كارثية، بدأنا نجني بعض ثمارها بما ندونه يوميا من إجرام وانحراف وفساد وتهالك وتشرذم وسيزيد الأمر سوءا مع توالي الأيام...

هيا ندرك الأمر جميعا قبل أن نُدرك ولا يبقى أي مجال للإصلاح والتعديل والتصحيح وإعادة البناء والتشييد.. الأمل باق رغم قلته وسنتشبث بما بقي ونؤمن بذواتنا وأنفسنا وقدرتنا على صنع جيل مغير ومصلح وحالم يطوي زمن التخلف والبؤس ويصنع ثوابت المجد والنجاح، على أمل أن تكمل الأجيال اللاحقة هذا المشوار وتفلح فيما لم نفلح فيه نحن...



والسلام

التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿✿





المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:







خلال العقود الأخيرة اعتدنا على ظهور تنظيمات يتم وصفها بالإرهابية، ينحصر وجودها، أو لنقل تمركزها، في الشرق.. أشهر هذه التنظيمات هي طالبان ثم القاعدة وأخيرا داعش التي لا زالت تنشط رغم ضعف شوكتها في الآونة الأخيرة.. هذه التنظيمات دائما ما لفها الغموض وحامت حولها العديد من التساؤلات، كيف تنشأ؟ وما مصادر تمويلها؟ وهل للولايات المتحدة الأمريكية علاقة بها أم لا؟.. طبعا لن أخوض في كل ما هو سياسي لأنني لست بخبير سياسي، وحتى إن كنت كذلك فكواليس السياسية أكثر عتمة من سواد ليلة في غياب القمر...

رسالتي هاته لن تكون موجهة لتنظيم معين أو لمؤسسة معينة، بل ستكون بالأساس موجهة لمن يحملون ويتبنون الفكر الداعشي إن صح التعبير.. رسالتي ستكون لمن كانوا معنا وحولنا واختفوا بين صبح وعشية لأنهم التحقوا بالتنظيم الفلاني حيث اقتنعوا بما يعرضه من بضاعة أيديولوجية...

كل التنظيمات التي ذكرتها، وغيرها، تدّعي أنها تتبنى الإسلام كما يجب وأنها تطبق الدين الإسلامي بحذافيره كما جاء وتؤسس لذلك بمنطق معين يغري من تشبعوا بخطابات معينة تدعوا لفصل المسلمين عن غيرهم وأن باقي البشر هم أعداء للمسلمين ووجب محاربتهم والسعي للقضاء عليهم ومقاطعتهم مقاطعة تامة كاملة.. غريب هذا الأمر حقا والأغرب هو الطريقة التي يقتنع بها هؤلاء الشباب بوجوب محاربة من يخالفهم في الدين والمعتقد وحتى المذهب...

إذا افترضنا أن منطق داعش، وغيرها، منطق صائب وأن الغرب حقا عدو لنا ووجب علينا مقاطعته ثم محاربته هل من الذكاء أن أتمركز في منطقة بعيدة جدا عنه، أسكن في كهوف جبالها وأترصد من هم على ديني وملتي أقتلهم وأسرق أسلحتهم التي اشتروها من عدوي وأستقوي ببعض الشباب المغرر به، بهذا سأكون قادرا على مواجهة العدو؟؟ من المستحيل قطعا الفوز في هذه المعركة الخاسرة قبل بدايتها، لماذا؟

الخسارة مضمونة لأن السلاح الذي ستواجه به عدوك هو في الأصل من صنعه ويعرف مكامن ضعفه وقوته، وحتى إن استطعت التحكم بهذا السلاح فكن على يقين أن عدوك له من العتاد العسكري ما لن تستطيع تخيله، خصوصا أن الدول العظمى اليوم وجهت جزءا من بحثها العلمي في سبيل تطوير الجانب العسكري، سواء الأسلحة أو الإستراتيجيات العسكرية وطرق الحرب وحيَله.. ثم يا صديقي الغيور بشدة على دينك ألم تقرأ في سيرة صاحب الرسالة والدين أنه كان إنسانا متعايشا لدرجة كبيرة جدا، عايش اليهود والأقباط والمسيحيين وغيرهم واختار السلم في كل حالاته وقدم يد التسامح مصافحا بها كل من خالفوه، وما حارب أحدا حتى ابتدأه الخصم بذلك وتعرض للضرر منه !؟

صراحة لا أستوعب كيف تنتشر دعاوى البغض والحقد تجاه غيرنا الناجح والمتفوق ويكبر فينا الغل تجاهه لأنه بلغ ما لم نستطع بلوغه.. بل هناك ممن يصعدون المنابر ويستخدمون مصطلحات شرسة في حق غير المسلم: أعداء الله فعلوا هذا وبلغوا ذاك ونجحوا في كذا... لماذا هذا الحقد؟ لماذا لا نعكف على أنفسنا أيضا ونركز قوانا حتى نبني ذواتنا ومجتمعنا كما نجح غيرنا في ذلك؟ لماذا نقدس أنفسنا ونستعمل أدوات من الدين حتى نبرر فشلنا وندغدغ عواطفنا، خصوصا تلك الآية من سورة آل عمران التي تقول أننا خير أمة أخرجت للناس، ولا نكمل الآية فنرى أن في القضية شرط لا يكتمل المعنى دونه وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، ثلاثة مسائل لو جسدناها كما ينبغي وكما يحتمل عمقها لبلغنا ما بلغ الغرب أو أكثر.. أن آمر بالمعروف ليس بالصراخ في الأزقة والجدال مع الأهل والناس ونشب الخلافات معهم، أن أكون آمرا بالمعروف يكفيني تجسيده من خلال حسن خلقي وحسن اجتهادي فيما أحب والنجاح في بلوغ هدفي الكبير والتحلي ببوادر الإنسانية، كل هذا سيجعل مني نبراسا لغيري ومثلا للمعروف فيتأثر بي.. أن أنهى عن المنكر، ليس بالضرب والإعتداء والقتل والجرم، وهنا يمكن استحضار الحديث النبوي الشهير الذي صنف النهي عن المنكر إلى ثلاث مراتب، أولها باليد، طبعا ليس بالصفع والضرب وإنما بإظهار محاسن فعل العكس والتأثير في فاعل المنكر بطيب فعلي ونجاحي وتركيزي على إصلاح ذاتي، ذلك ما سيجعل في صاحبنا شيئا من الحرج في الإستمرار على سوء حاله إذا وجد نفسه في محيط يملؤه أهل المعروف؛ ثم بالفم، من خلال دعوته بحسن الكلام وطيب اللسان للتخلي عما هو فيه، وأخيرا بالقلب من خلال الدعاء والعطف والحب وحتما سينعكس ما في القلب على الأفعال وسنرى رد فعل جميل يعود بالخير على فاعل المنكر وعلى صاحب الدعوة أيضا.. أن أؤمن بالله، ليس بالاعتكاف في المساجد وإطالة اللحي ولبس الحجاب فقط، بل بإعمار الأرض وملئها بالحب والإنسانية وتحقيق النجاحات التي تعود بالنفع على النفس والمحيط والبشرية بشكل أعم، بذلك سيكون الإنسان حقق المطلوب منه كمستخلف في الأرض من طرف ربه...

التشدد في الدين لا يجر صاحبه إلا لمسألتين، إما تركه من شدة الضغط، أو التحول إلى كاره للناس ومبغض لمن حوله، والحديث النبوي صريح في هذا الباب: لن يُشاد الدين أحد إلا غلبه !!.. ديننا يسير جدا وينبني على الجمال في كل شيء والحب كمبدأ والتعايش كوسيلة، والإنسانية كغاية.. وكما قلت في إحدى الرسائل السابقة، هذا الكوكب يحملنا جميعا على سطحه ولا توجد أية وسيلة ولا طريقة لتقسيمه بين الناس، السبيل الأوحد للإستمرارية فوقه هو التعايش والحب وتكسير أي باب من أبواب التفرقة وصنع الحدود الوهمية بين الناس.. حياتنا بسيطة وجميلة بجمال نظرتنا لها، لا تحتمل كل تلك التعقيدات التي نتصورها في عقولنا...

يا صديقي، دع غلك وقسوتك وغلظتك وسلاحك جانبا وتعال نتحاور ونتناقش ونفكر فيما يجعلنا نختلف وكيف يمكن أن نبني جسورا للتوافق بيننا وبين باقي الشعوب والتوجهات الفكرية والعقائدية.. تحدثت في الرسالة السابقة عن القراءة، تعال معي نقرأ ونتعمق ونبحث في أمور الدين ونجدد أمر ديننا معا ولا نتبع ما جاء به غيرنا من البشر كأنه منزل من السماء ومقدس ولا مجال لمناقشته.. هيا نصحح مفاهيمنا ونصحح أفكارنا ونزرع روحا جديدة في فكرنا ونرقى به ونتصالح مع غيرنا ونقبل اختلافنا معه وندع مسألة الحق المطلق جانبا، لا بأس أن نختلف لأن الإختلاف والله لا يأتي سوى بالخير، إن اختلفنا فذاك من رحمة ربنا بنا وفتحه لنا أبوابا ومنافذ جديدة للبحث والتطوير...

الغرب تقدم حينما اتحد أبناؤه وكسروا جمودهم الفكري وراجعوا ذواتهم، إذا حسدناهم فلن يبق في قلوبنا مجالا لأنفسنا، نغبطهم أجل ونتنافس معهم ونتعلم مما وصلوا إليه ونتخذه طريقا يتماشى مع وضعنا الثقافي والفكري.. لا نجعل من الدين عائقا أمامنا لأن الدين أكبر من ذلك بكثير ولا ينحصر في التحريم والمنع والكراهة، الله جميل ويحب كل جميل، ومواقف الدين من أمور عديدة تحتاج لمراجعة وتجديد وقراءات تتماشى مع الواقع الحالي ومتطلباته...

في نفس الإطار تذكرت قصة للشيخ الشعراوي مع أحد الشباب المتشددين، كنت قد ذكرتها في كتابي الأول – بناء الحضارة – ولا بأس من ذكرها في هذا السياق.. مفاد القصة أن الشيخ سأل الشاب عما إذا كان يفضل تفجير ملهى ليلي، فكان رد الشاب بالموافقة، فرد الشيخ أن ضحايا التفجير سيكون مصيرهم النار، فأكد الشاب ذلك وحبذ الفكرة جزاء لهم بما كانوا يفعلون، فسأله الشيخ عن المصير الذي يفضله الشيطان لهؤلاء الشباب، فقال الشاب أنه سيختار لهم النار أيضا، هنا قال الشيخ للشاب أنه توافق اختياره مع اختيار الشيطان، وأكد له أنه أبعد ما يكون عن رغبة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم للبشرية، وذكّره بموقف من السيرة النبوية حين بكى عليه الصلاة والسلام وجنازة يهودي تمر من أمامه وقال نفس أفلتت مني...

العنف بجميع أشكاله لا يمكن أن يبني ويصلح ويؤسس بتاتا وبالقطع، العنف تحطيم وتخريب وقتل وتشويه للجمال الذي يدعو إليه ربنا.. كلما تبنينا العنف في مسائلنا إلا وخالفنا ما وصانا به الله ورسوله، وخالفنا أصلنا وفطرتنا وإنسانيتنا...

يا صديقي، إذا قلتَ أن قلبك عامر بالإيمان وحب الله ورسوله فاعلم أنهما لا يرضيان بما تفعله.. وإذا كان طموحك هو الآخرة فافعل الصلاح في دنياك أولا التي أنت فيها، واعلم أنه من أحيا نفسا فكأنما الناس جميعا...

إن كنتُ ماضيا في هذه الدنيا إلى موت فالأجمل أن أمضي وأترك خلفي بصمات تشهد على حسن فعلي وعلى اجتهادي وفلاحي، وأكون لمن يأتي من بعدي حافزا فيسعى لتحسين واقعه أكثر حسبما يتوفر لديه من أدوات وحسب دائرة تأثيره...

يا صديقي، الله جعلنا في هذه الحياة أولا فلنركز تفكيرنا عليها ونعطي الكثير فيها من أجلنا وفي سبيل غيرنا حتى نسعد ونحيا حياة كريمة، أما الحياة الأخرى فستكون تحصيل حاصل طبعا...



والسلام.



التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿



المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:









في الرسالة السابقة خاطبت من يبلغون بالدين درجة ممارسة العنف والتعصب للفكرة والإستماتة في الدفاع عنها ومحاولة فرض المعتقد على الآخرين وجعلهم بين خيارين: إما إتباع نفس الدين والمعتقد بنفس الشروط التي أتبعها وتطبيق ما أراه صائبا، وإما ستضطرني لقتلك ! أ لا يوجد خيار ثالث يُبنى على السلمية وحرية الإختيار والمعتقد؟ !

في هذه الرسالة وددت مخاطبة عقول وأرواح أناس نحسبهم ممن سبق أن تحدثتُ عنهم (أصحاب الفكر المتعصب العنيف) لكنهم أدنى من ذلك ولا يحدثون ضررا ماديا، بسنبة معينة، لكن تأثيرهم يتمظهر على المستوى النفسي والإجتماعي.. رسالتي اللحظة هي موجهة للغالّين في الدين والغيورين عليه بدرجة كبيرة جدا ربما تتعدى حدود المعقول...

الدين، كيفما كان، يدعو إلى أمور عديدة، لعل أهمها هي الوسطية والإعتدال، وكما قلتُ في الرسالة السابقة، حسبما جاء في الحديث النبوي فالدين لا يعانده أحد إلا وسيُغلب لا محالة، لأن كل تعصب للفكرة يجر صاحبه لتغليف عقله وغلق منافذ الحوار والنقاش والتواصل، والإكتفاء بما يعتقد أنه الحق وعين الصواب التي لا يصح غيرها شيء...

الغالّين في الدين يمكن أن يجعلهم التناقض الحاصل بين ما يتصورونه في عقولهم وما يحدث على أرض الواقع تائهين وحائرين نفسيا وفكريا وغير قادرين على خلق التوازن وتقليص الفجوة والهوة الحاصلة بين التصور الذهني القائم على المعتقد وبين ما يُعايشه يوميا من مواقف تتعب عقله.. ويصل الأمر ببعض هؤلاء لإلزام أهل بيتهم بنمط حياتيٍّ معين يخلو من بعض الأمور – المكروهة أو المحرمة حسب إعتقادهم – كالتلفاز والإنترنيت وبعض الديكورات وأمور الزينة، ويفرض عليهم شكلا معينا في اللباس، ويستقوي في أوامره تلك بأسلوب ترهيبي يخوف به أهل البيت من عقاب الله وجنهم والزقوم وأهوال يوم القيامة وغير ذلك...

صراحة، أستغرب ممن يعيشون بفكر ترهيبي مما سيحدث في القبر وما بعده، يخلقون في أنفسهم وأنفس محيطهم ضغطا يؤثر على مسارهم الحياتي ويقيدهم بأشياء هي في الحقيقة تحصيل حاصل كما قلت سابقا.. كي أعيش حياة كما يحب الله أساسا وكما أحب أنا أيضا يجب أن أزيل من تفكيري كل ما يمكن أن يشكل عائقا نفسيا أمامي وأنطلق في دنياي فأحقق الرغبة الربانية التي تحدثت عنها في كل مناسبة وأصررت على تكرارها حتى في الجزأين السابقين من السلسلة...

الله سبحانه وتعالى والحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وبقية الرسل والأنبياء جاؤوا بشرائع تحمل أفكارا وتوجيهات للبشرية تساعدهم على العيش في إطار حياة كريمة، لم يقدموا لنا طرق حياة معينة يجب أن نتبعها وننهجها بل اكتفوا بوضع إطارات ومعالم مؤطرة للبشرية وتركوا لنا حرية اختيار الطريقة التي تناسبنا وترضينا في إطار يضمن للجميع الحق في الحرية والإبداع دون إفراط ولا تفريط...

هناك قاعدة سبق لنا التطرق لها سابقا تقول أن الإنسان مخير فيما يعلم ومسير فيما لا يعلم، هذه القاعدة يمكن تفصيلها في كتاب، وربما في كتب، لما فيها من الحمولة، ولأنها تعتبر واحدة من الثوابت الفكرية للدين.. الإنسان مخير وله كامل الحرية في الإختيار والتقرير وتحمل مسؤوليته فيما يعلمه ويفهمه ويضبطه وهذا ما يجب أن يفهمه أصدقاؤنا ممن يتبنون مبدأ الغلو، إذا لماذا سنلزم أحدا بتطبيق مسألة معينة أو نجبره على ترك مسألة أخرى، كل إنسان له حقه في اختيار فكره وعقيدته وتوجهه ونُظُم حياته بشكل عام؛ يمكن أن ننصحه أن نوجهه فقط دون إجبار أو إلزام ودون أن نسعى لجعل غيرنا نسخة منا.. والإنسان مسير فيما لا يعلم، أي أن هناك أمور لا علم للإنسان بها ويخضع فيها لمنطق التسيير وأبسط مثال عن ذلك هو الغيبيات التي تخفى عنا ولا طاقة لنا بالوصول إليها فنكون بذلك خاضعين لقَدرنا ومستقبلنا سواء أكان كما خططنا له أو شاءت الأقدار أن تحرف مساره نحو اتجاهات أخرى...

يا صاحبي الغالّ في دينك، ألم تسمع قول الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم: "ليعلم الناس أن في ديننا فسحة"؟.. ديننا يسع من الرحمة والحرية واليسر الشيء الكثير ولا يمكن أن نربطه ببعض الوجوه القاسية المتعصبة التي تتخذ من بعض القنوات التلفزية والمنافذ الإلكترونية منابر لها فتشحن الشباب، الفتي خصوصا، وتملأ عقله بتصورات ذات منطق استدلال خاطئ ومُحرف ينبني على التفسير الأعوج والغليظ لبعض الأدلة الشرعية دون تمحيص ودون دراسة معمقة لأسباب الورود والظروف المصاحبة لذلك الدليل...

أي تعصب للفكرة أو المبدأ أو المعتقد أو الأيديولوجية يجر صاحبه لإقصاء باقي المختلفين معه، هذا الإقصاء هو ما يجرنا للتفرقة والأنانية والذاتية الحاصلة اليوم، ولا نتيجة لذلك سوى التلاعن والسباب والقتل والحروب.. حب المبدأ والفكرة شيء جميل جدا والذود عنها مباح وجائز خصوصا إن كان عن اقتناع، لكن الأجمل من ذلك هو تقبل الآخر واحترام وجهة نظره ومنحه حقه في الإختلاف وتبني ما يروقه في جو من الإحترام والأخوة...

هناك عدة أوجه تشابه بين مخاطَب الرسالة السابقة وهاته الرسالة، الإختلاف الأوضح بينهما هو درجة تشبثهما بالمرجعية الدينية وتعصبهما لها وأيضا زاوية النظر التي تزداد حدتها مع صديقنا السابق ورد فعله القاسي جدا.. إذن يمكن لمخاطَب هذه الرسالة الإستئناس ببعض ما جاء في السابقة أيضا...

ديننا جميل وبسيط ورائع، وما أروعه من دين يجازي المبتسم على إشراقة ابتسامته في وجه الناس.. ما أروعه من دين يجازي من يحمي الغير من أذى يمكن أن يعرقل سيره.. انشروا الحب كيفما استطعتم وكيفما وجدتم لذلك سبيلا...



والسلام.



التوقيع

إبراهيم المغربي

✿✿✿✿







المرسل: إبراهيم المغربي

المرسَل إليه:





يقال إذا أردت أن تعرف مدى تحضّر وتقدم شعب فانظر إلى جامعاته وفنه.. سنترك الجامعات لوقت آخر ونتجه للحديث عن الفن، ورسالتي هاته ستكون موجهة للفنان...

أن تكون فنانا ليس بالضرورة أن تنحصر في الفنون السبع المعروفة: الرسم والنحت والرقص والسينما والموسيقى والأدب والعمارة، وعلى رأس هذه الفنون أبوها المعظم "المسرح".. الفن، حسب رؤيتي ويمكن أن يتفق معي البعض، هو إتقان الشيء والإخلاص فيه وتعدّي ذلك الإتقان نحو الإحسان والإبداع والتفاني، إذن يمكن إخضاع أي مجال كيفما كان لهذه المعادلة والدخول في إطار الفن والتفنن.. الطباخ يمكن أن يكون فنانا، والبناء والفلاح والمهندس (في كل التخصصات) والطبيب والبقال والإسكافي... كل هؤلاء وغيرهم طالما تفانوا وأبدعوا وأحبوا ما يشتغلونه سيدخلون مباشرة في دائرة الفن والإبداع...

الفن يرتبط بالموهبة بشكل مباشر، إذا تم اكتشاف الموهبة وصقلها وتطويرها بالتدريب والتكوين الأكاديمي ستجعل من صاحبها فنانا مبدعا، دون الحاجة للأضواء والسجادات الحمراء والكاميرات والبرامج التلفزية...

الأسطر القادمة في رسالتي سأجزئها لقسمين، قسم أخاطب فيه الفنانين بشكل عام، فناني الحياة ومبدعيها في كل المجالات، وقسم أخاطب فيه فناني الأضواء والمبدعين في الفنون السبعة المعروفة...

مما نعانيه اليوم في بلداننا العربية أن بيئتنا لا تساعدنا على الإبداع ولا نجد من يمد لنا يد العون حتى نكمل حياتنا فيما نحب ونشتغل فيما نعشق.. الأستاذ أراد أن يكون طبيبا، والطبيب أراد أن يكون مهندسا، والفلاح لم يتلق أي تعليم وتحطمت آماله في كونه معلما أو طبيبا، وهكذا... ندرس ما لا نحب (في غالب الحالات) ونجد أنفسنا يوما بعد يوم نبتعد عن حلم الطفولة وعن ما تميل له النفس.. كل هذه اللخبطة (كما يقول إخواننا المصريون) تؤثر بشكل مباشر على المجتمع ككتلة تعاني مكوناتها، كذاك البِناء الذي يحتاج إلى أنواع مختلفة من الطوب حتى يتقوى ويتجمل ويصحّ، وعند بنائه يتم وضع الطوب بشكل عشوائي دون الإهتمام بأحقية كل طوب بمكانه حسب ما تحتاجه البناية ككل؛ ربما يكون البِناء ظاهريا مُرضيا ويقترب بنسبة معينة من المطلوب لكنه في الحقيقة بناء هش وعشوائي ويمكن لأي ريح عاصف أو زلزال خفيف زعزعة استقراره والتسبب في تحطم غالبية أركانه...

كي ننجح وينجح معنا مجتمعنا يجب أن نضحي ونكابد كل الظروف بكل ما أوتينا من قوة حتى نكمل حياتنا في المسار الدراسي والمهني الذي نحبه، لا يهم الجانب المادي الربحي لأنني سأجد نفسي حبيس مهنة أو تخصص لا أرتاح فيه وسأبقى على حالتي تلك لسنوات طويلات.. هناك من الشباب من يتبع تخصصا دراسيا معينا أو يعمل في مهنة معينة إرضاء للمحيط والناس والوالدين، ربما يمكن تقدير ذلك واحترامه من زاوية معينة، لكن عند تحليل الأمر يتضح أن فيه تنازلا عظيما يضر بالشخص أولا ثم بالمجتمع ككل ثانيا.. نحن نحتاج لمبدعين في كل المجالات، نريد أناسا يساهمون في تغيير الواقع وتحسينه.. نريد بناءا مجتمعيا قويا ومتماسكا يشغل فيه كل فرد منصبا يحبه ويريده ويشتغل فيه بكل جوارحه وأناه...

بما أنني أيضا جزءا من هذه المنظومة المجتمعية فقد وقعت في الفخ أيضا واتجهت لمجال ليس هو الإختيار الأولى الذي وددت دراسته والإشتغال فيه، ربما بعض الظروف جعلتني أترنح عن المسار الذي أحببت وأتجه إلى طريق آخر لكني لم ولن أتخل عن حلمي وجعلت من وقت فراغي فرصة لتثبيت قدامي على المسار الذي أعشقه وصرت أطور نفسي ومواهبي فيه وأبدع على قدر ما أمتلك من المعرفة والإمكانيات.. ربما أسير بخطى بطيئة لكنها ثابتة وراسخة وستوصلني إن شاء الله إلى مبتغاي.. وأجعل من كتابي هذا فرصة أدعو فيها غيري للتمسك بما يحب وبما هو موهوب فيه رغم ما تفرضه الظروف علينا...

المجد والحضارة والتقدم لا يأتي من القمة، بل يأتي من طفرات تحدث على مستوى القاعدة، ربما القمة تتحمل مسؤوليات كبيرة تتعلق بالتنظيم والتكوين والتسيير لكن ذلك لن يمنعنا نحن كأفراد من فرض اختيارنا والدفاع عنه بكل استماتة والإقتناع بشدة أن ذلك سيعود على الجميع بالنفع، وأمثلة النجاح بالصمود والكفاح والعصامية كثيرة جدا ومتعددة بتعدد مجالات الحياة.. يمكنك البحث عن أمثلة لشخصيات نجحوا في المجال الذي تحبه أنت أيضا وتستفيد من بعض ما عايشوه من صعوبات وعراقيل وتستأنس بذلك علّه يفيدك...

يا صديقي، الإبداع رهين بعمل ما نحب، لأن جزأ مُهِمًّا من الإبداع ينبع من القلب، وأي عمل لا نحبه سنجد أنفسنا فيه كالمسجون الذي يريد أن يتحرر من سجنه بسرعة والهروب منه في كل فرصة ومناسبة...



وأختم رسالتي لك بشيء مهم جدا، على الأقل في نظري: لا تجعل السن عائقا أمامك، السن هو أيام تنقضي من عمرنا والأهم هو ما تبقى منها، وكل يوم انقضى من عمرنا كان بمثابة فرصة لنا كي نتعلم شيئا جديدا واكتساب بعض الخبرة والنضج، إذن لا تحبس نفسك عن العودة لحلمك وحبك الكبير، حتى إن كان جلَلًا وكبيرا جدا فلا بأس من المحاولة والإجتهاد للحاق بما تيسر منه والفوز ببعض الحلاوة التي حُرمتَها لسنوات وعقود انقضت .. أرجوك، احرص على الإرتباط بما تحب ولا تحرمنا من إبداعاتك، نريد واقعا جميلا، ولن يكون جميلا إلا بنا...

ثم أمر للقسم الثاني من رسالتي.. أخاطبك فيه يا فنان، يا من اختارك القدر وحملك بموهبتك حتى صرت صاحب نفوذ اجتماعي وسلطة نفسية ومجتمعية بين الناس، هذا النفوذ وهاته السلطة تتعدى التشريف وتبلغ حد التكليف وتحمل صاحبها مسؤولية كبيرة جدا...

صار الفنان اليوم صناعة مربحة واستثمارا يتوجه إليه أصحاب المال لجني أضعافه، وأصحاب النفوذ لتمرير ما يشاءون من الأفكار والعادات الجديدة وحتى الدخيلة.. تحول الفن من هدف وغاية إلى وسيلة وأداة في يد من يدفع أكثر، مع الأسف...

الفن في الأصل رسالة، يحاول الفنان والمبدع من خلال فنه (رسمه، تمثيله، غنائه، نحته...) تبليغها للناس، والهدف بالأساس هو توعيتهم فيما يجهلون، وتثقيفهم بما يخفى عليهم، وإرشادهم في حال حيرتهم، وإسعادهم وإدخال السرور لتخفيف ضنك الحياة وصعابها عليهم، والأهم من كل ذلك، حسب رؤيتي، هم إلهامهم ! أجل، الناس تحتاج حقا لمن يلهمها ويحيي الأمل فيها ويجعلها تنطلق بنفس جديد في حياتها، ليس بالضرورة إلهاما لموهوبي أحد الفنون السبعة ومن يتبعونها فقط، بل للناس جميعا...



يا صديقي الفنان، نحن نحتاج لمن تعلو رسالتهم كل القوى وكل الأجندات، نريدك حمامة بيضاء تحلق في السماء عاليا بعيدا عن الضوضاء والسحاب الرمادي المتراكب والمتراكم، وترمي الناس بالورود والحب والسلم والدعوة للتوحد والإنضواء تحت راية الإنسانية، بعيدا عن كل تعصب أو انتماءات أو حواجز فكرية وعقائدية.. الفن لغة العالم التي لا يختلف عليها اثنان، وهو أكثر الأمور التي توحد الناس وتجمع شملهم وشتاتهم التي تفرقه أمور أخرى، إذن حريٌّ بأصحابه أن يكونوا أكثر ذكاء وحرفية في انتقاء ما يرقى بالواقع ويزعزع ركوده نحو الأفضل...

بالفن يمكن أن نغير في الناس وفي حياتهم بشكل لا يمكن أن تفعله أيّة وسيلة أخرى، بالفن يمكن أن ننشئ أجيالا تعشق الألوان وتحترم اختلافها رغم ميولها نحو لون واحد منها فقط، بالفن يمكن أن نجعل من العالم مجالا فسيحا ورحبا يسع الجميع ويمكن للكل أن يحيا فيه كيفما يريد ضمن إطار من الإحترام المتبادل والتعايش...

يا فنان، لا تجعل الأضواء المسلطة عليك والكاميرات الموجهة صوبك تجعلك تصدق أنك بلغت الكمال والمثالية الفنية، الفنان كي يكون كذلك يحتاج لثقافة كبيرة وشاسعة ويحتاج لذكاء، فني على الأقل، ويحتاج لفراسة وحكمة يتحصل عليها بالخبرة والإحتكاك والبحث المستمر عن الذات.. الفنان هو كتلة من الأفكار والتساؤلات والإشكالات والمعارف والعواطف التي تتمخض عنها إبداعات تلو الإبداعات.. الفنان هو طريقة تفكير قائمة بذاتها، الفنان هو طريقة عيش مميزة...


Continue reading this ebook at Smashwords.
Download this book for your ebook reader.
(Pages 1-52 show above.)